محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1006
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
والحقائق أشخاصا في هذا العالم ؛ والجنّة قيعان على وجه غرسها أعمال المؤمنين وأخلاقهم وأقوالهم وأحوالهم ؛ فتصير أشجارا وعلى وجه الجنّة أشجار ملتفة أغصانها وثمارها في الدنيا كما ورد في الخبر : « السخاء شجرة في الجنّة والبخل شجرة في النار » 188 والشجرة في الجنّة شخص في الدنيا والشجرة في النار شخص في الدنيا ؛ فلا يستبعد أن تكون نفس الجواد الكريم شجرة أو جنّة بربوة عالية ، كما قيل : الهمّة نفس جليلة تسمو إلى المعالي ولا تنكر معادها وكمالها في ذلك العالم . ثمّ ذكر اللّه تعالى بعد هذا المثل مثلا آخر يقرّره في المعنى ويؤكّده في الحقيقة ( 413 ب ) . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 266 ] أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 266 ) النظم لمّا ذكر تعالى مثل صدقات المؤمنين حيث يبتغون مرضاة اللّه ويتثبتون في أنفسهم عقّب ذلك بذكر مثل صدقات المنافقين حيث يبتغون رئاء الناس ولا يؤمنون باللّه - عزّ وجلّ - ليعرف من المثلين مثال الفريقين في الآخرة ، فيضاعف الثواب لأحدهما ويحبط عمل الثاني . التفسير قال مجاهد : هذا مثل المفرّط المقصر في طاعة اللّه المشتغل بملاذّ الدنيا ؛ وقال ابن عبّاس : هذا مثل من يعمل عملا صالحا ويختم له بالشقاوة وذلك هو الإعصار الذي فيه النار ؛ وقال الضحّاك والكلبي ومقاتل : هذا مثل الكافر في عمله وهو يحسب أنّه يحسن صنعا ؛ وهو رواية عطاء عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - ؛ ونظم الكلام : هل يودّ الواحد منكم أن يكون له بستان ملتفّ بالأشجار من نخيل وأعناب ، تجري من تحتها الأنهار ، له فيها من